محمد بن جرير الطبري

92

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أدخلت اللام في ذلك ، كما تدخل في قولهم : حمدت لك وشكرت لك ، وحمدتك وشكرتك ، وقال : هذه لام عليها الفعل ، فكذلك قوله : فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً تقول : فيكيدوك ، ويكيدوا لك فيقصدوك ، ويقصدوا لك ، قال : " وكيدا " : توكيد . القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل يعقوب لابنه يوسف لما قص عليه رؤياه : وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وهكذا يجتبيك ربك . يقول : كما أراك ربك الكواكب والشمس والقمر لك سجودا ، فكذلك يصطفيك ربك . كما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو العنقزي ، عن أبي بكر الهذلي ، عن عكرمة : وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ قال : يصطفيك حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاجتباه واصطفاه وعلمه من عبر الأحاديث ، وهو تأويل الأحاديث وقوله : وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ يقول : ويعلمك ربك من علم ما يؤول إليه أحاديث الناس عما يرونه في منامهم ، وذلك تعبير الرؤيا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ قال : عبارة الرؤيا حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ قال : تأويل الكلام : العلم والحلم ، وكان يوسف أعبر الناس . وقرأ : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وقوله : وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ باجتبائه إياك واختياره وتعليمه إياك تأويل الأحاديث . وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ يقول : وعلى أهل دين يعقوب وملته من ذريته وغيرهم . كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ باتخاذه هذا خليلا وتنجيته من النار ، وفدية هذا بذبح عظيم . كالذي : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : أخبرنا أبو إسحاق ، عن عكرمة ، في قوله : وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ قال : فنعمته على إبراهيم أن نجاه من النار ، وعلى إسحاق أن نجاه من الذبح وقوله : إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يقول : إن ربك عليم بمواضع الفضل ، ومن هو أهل للاجتباء والنعمة ، حكيم في تدبيره خلقه . القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ يقول تعالى ذكره : لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ الأحد عشر آياتٌ يعني عبر وذكر لِلسَّائِلِينَ يعني السائلين عن أخبارهم وقصصهم . وإنما أراد جل ثناؤه بذلك نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنه يقال : إن الله تبارك وتعالى إنما أنزل هذه السورة على نبيه يعلمه فيها ما لقي يوسف من إخوته وإذايته من الحسد ، مع تكرمة الله إياه ، تسلية له بذلك مما يلقى من إذايته وأقاربه من مشركي قريش . كذلك كان ابن إسحاق يقول . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : إنما قص الله تبارك وتعالى على محمد خبر يوسف وبغي إخوته عليه وحسدهم إياه حين ذكر رؤياه لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بغي قومه وحسده حين أكرمه الله عز وجل بنبوته ليتأسى به واختلفت القراء في قراءة قوله : آياتٌ لِلسَّائِلِينَ فقرأته عامة قراء الأمصار " آيات " على الجماع . وروي عن مجاهد وابن كثير أنهما قرءا ذلك على التوحيد . والذي هو أولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك على الجماع ، لإجماع الحجة من القراء عليه . القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ يقول تعالى ذكره : لقد كان في يوسف وإخوته آيات لمن سأل عن شأنهم حين قالوا إخوة يوسف لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ من أمه أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ يقولون : ونحن جماعة ذوو عدد أحد عشر رجلا . والعصبة من الناس هم عشرة فصاعدا ، قيل إلى خمسة عشر فصاعدا عشر ، ليس لها واحد من لفظها ، كالنفر والرهط . إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعنون : إن أبانا يعقوب